صفي الرحمان مباركفوري

197

الرحيق المختوم

وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم ، واستغاثوه ، وأخلصوا له ، وتضرعوا إليه ، تلقوا هجمات المشركين المتوالية ، وهم مرابطون في مواقعهم ، واقفون موقف الدفاع ، وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة ، وهم يقولون : أحد أحد . الرسول صلى اللّه عليه وسلم يناشد ربه : وأما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ، ويقول : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك » . حتى إذا حمي الوطيس ، واستدارت رحى الحرب بشدة ، واحتدم القتال ، وبلغت المعركة قمتها ، قال : « اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا » . وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فرده عليه الصديق ، وقال : حسبك يا رسول اللّه ، ألححت على ربك . وأوحى اللّه إلى ملائكته : أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ، وأوحى إلى رسوله : أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ - أي أنهم ردف لكم ، أو يردف بعضهم بعضا أرسالا ، لا يأتون دفعة واحدة . نزول الملائكة : وأغفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إغفاءة واحدة ، ثم رفع رأسه فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثناياه النقع ، أي : الغبار . وفي رواية إسحاق : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر اللّه ، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ، على ثناياه النقع » . ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من باب العريش ، وهو يثب في الدرع ، ويقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] ، ثم أخذ حفنة من الحصباء ، فاستقبل بها قريشا وقال : شاهت الوجوه ، ورمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة ، وفي ذلك أنزل اللّه : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] . الهجوم المضاد : وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره بالهجمة المضادة فقال : شدوا ، وحرضهم على القتال ، قائلا : والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله اللّه الجنة ، وقال وهو يحضهم على القتال ، قوموا إلى جنة عرضها السماوات